arablog.org

قصة الشاب السوري مع الشيخ: (الجزء الأخير )

الجزء الأخير من القصة:

أفكر أن أستعين بالشيخ، أطلب منه العون للعثور على غطاء وشمعة.إنه صاحب البيت، أليس كذلك؟ أشعر ببعض الإرتياح لهذه الفكرة، إنها ستكون فرصة مناسبة للإلتاق بالأعضاء القياديين للمنظمة،. حتى الآن لم أشاهد أيا منهم رغم وجودي في الدار منذ أسابيع،خلال العديد من الليالي بقيت أستمع من غرفتي المنعزلة إلى (الشيخ) يلقي خطبه الثورية الجهادية على الرفاق، ويملي عليهم وصاياه وتعاليمه للتحضير للكفاح والثورة و الجهاد في سبيل الله والوطن.وكان (الشيخ) يستيقظ باكرا محمر العينين شاحب الوجه يرتدي ثيابه مسرعا وهو يتمتم بأنه على موعد هام مع رجال المعارضة السورية والقيادات الحربية السورية من أجل التنسيق والتحضير للثورة القادمة.
أقترب ببطئ وتعتر من باب غرفة الإجتماع، ألتمس طريقي على وهج بروق وصواعق تحيل ضلال جسمي على الجدار إلى صورة وحش جريح يزحف على هدى وكلمات ترتج بصدى جبلي ممتزج برعود وعصف وريح. رغم برد وتعتر ونعاس أشعر به في أعماقي ببعض البهجة، لأنني أخيرا سألتقي الرفاق القياديين يقينا إني سأتعرف على بعضهم من رفاقي القدماء، ألم يكن (الشيخ) مسؤولي الحزب في (درعة)، قبل أن يقرر الإنشقاق في الخارج ويؤسس منظمته الثورية الجهادية الجديدة. منذ صغري تعودت أن ألقبه ب (الشيخ) لأنه حقا كان إمامنا وشيخنا في المسجد ، كان (الشيخ) مناظلا حقيقيا ومثقفا عالما، وهو يعلم الناس حب التمرد والتعلق بحلم العدالة والمساواة والجهاذ….
ألاحظ أن الباب لم يكن مغلقا تماما، بل أرتعش من ريح تهب من الغرفة ، فثمة شق يتسلل منه ضوء أحمر ساحب ممتزجا بضجيج رعد وصوت (الشيخ)، ما أن أضع أصبعي كي أطرقه يندفع الباب ويفتح تلقائيا ويكتشف أمام ناظري هكذا كل من كان في الغرفة.

أتجمد في وقفتي وأظل مبهوتا حائرا غير قادر على تصديق ما أرى!
أصمت مبهورا مرتجفا من برد وخيبة وأنا أحدق بذلك المشهد الكابوسي العجيب:
الغرفة خالية إلا من (الشيخ) وحيدا شبه عاريا بين عصف وريح وضوء شاحب لفانوس عتيق، جالسا على ركبتيه في أرض غرفة عارية، مطبقا كفيه أمامه بخشوع، رافعا رأسه إلى السماء عبر نافذة مفتوحة على مصراعيها، بينما رذاذ مطر ينساب على جسده وريح تتلاعب بخصلات شعره القليلة المبللة، وهو يخاطب السماء بصوت صارخ مفجوع:
{{ اه ربي صوتهم يصرخ في قبري تعال كيف لا أنفض عن صدري الجلاميد الثقال؟، كيف لا أصرع أوجاعي ومرتي كيف ؟ كيف لا أضرع في ذل وصمت ..؟ }}
وبعدها اتبعها بدعاء طويل يرجو الرب ان ينتقم من الأسد الأب و الإبن .
أضل مبهوتا لا أدري ما أفعل و(الشيخ) مستمر بإلقاء كلامه بصوت صارخ مفعم بأسى. يا لها من خبية ما بعدها خيبة، إيه يا شيخي العزيز، أين هم الرفاق وأين هي أحلامك ووعودك عن ثورتنا العصماء؟ أهكذا غدر بك الزمان وألقى بك دون رحمة في دهاليز الوهم والنسيان؟ أخر ما تبقى لي من أمل يا شيخ، وها انت تستحيل إلى واهم مجنون، رحمتك يارب لقد غدر بنا الجميع. الأباء والسادة والصحاب والشيوخ. وتكالبت علينا الخيبات … الأمل … يارب…. الأمل…
بعد تردد أتجه إلى النافذة لأغلقها وأحمي (الشيخ) من الريح والمطر. ما أن أقترب منها وأمسك مصراعيها حتى تنطلق صرخة مخنوقة من حنجرة (الشيخ) وتمتد قبضته وتشد على دراعي و هو يخاطبني بلغة بليغة أقرب إلى شعر ودعاء:
– ابتعد… أراك أتيت لتفسد علي ساعات توحدي مع قوى الثورة والغفوان… ابتعد.. ارحل عني….
أردد مرتبكا راجيا:
– يا شيح … مابك؟! أنا رفيقك علي… أرجوك دعني أغلقها… البرد سوف يمرضك يا شيخ… أرجوك….، لكن قبضة الشيخ يزداد عنفها، بينما تمتد فجأة يده الأخرى بمسدس وضع فوهته على قلبي ويخاطبني بصوت حازم:
– دع النافذة مفتوحة،لأنك عبرها ستعود من حيت أتيت… رصاصة واحدة تكفي لتفجير قلبك المعبأ بأنفاس الخيبة… إرحل… عد أيها البائس الغريب، وإلا أطلقت…
تحت تهديد المسدس وصرخات (الشيخ) وإصرار عينيه المتوهجتين ببريق الإنتقام.أضطر للخضوع والهبوط من النافذة ، أسقط عن علو أربعة أمتار على أرض طينية، لا أدري كم من الزمن يمر علي وأنا جالس بين وحل أئن من آلام قدمي الملتوية وجروح حارقة ، المطر لا يكف عن التفاقم وكأن السماء أرادت أن تفرغ في تلك الليلة، وريح ما برح عصفها يشتد ممتزجة بإنفجارات رعود وقدح بروق حتى بدت الغيوم بأشبه بوحوش سماوية تود ابتلاع البيوت. أمسح السوائل عن وجهي ولا أنتبه إلى أنها مزيج من مطر ودم و دموع، لكني متيقن من شيء واحد: أني لا ولن أبكي،لأني أحس بأن كل طاقة السماء بأنوارها وانفجاراتها تتسرب إلى كياني وتتشيع في شراييني قوة مخبولة هوجاء مفعمة بغضب وثورة، فأنهض من سقطتي مكافحا بإصرار لم أعرفه من قبل آلام جسدي التي تحاول أن تجبرني عل أن أحبو وأعرج.
أنهض ملطخا بأطيان محنتي ونزيف جراحي، مستجمعا في روحي كل انكسارات عمري وهزائم حروبي التي تتكرر حتى تنفجر بصرخة هوجاء فيها أسماء آباء وقادة …منحتهم تقتي منذ ميلادي وحتى هذه اللحظة:
لا…لا…..لا يا رب لا …

about author

Aliov
Aliov

شاب عربي مغربي يهوى التدوين في شتى المجالات (السياسية والرياضية والإجتماعية والفنية والمجال المعلوماتي وما الى ذلك ...) بكل حرية وحياد

LEAVE A REPLY

Your email address will not be published. Required fields are marked *